فصل: سورة التوبة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السعدي المسمى بـ «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» **


‏[‏36‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}

يقول تعالى ‏{‏إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ في قضائه وقدره‏.‏ ‏{‏اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا‏}‏ وهي هذه الشهور المعروفة ‏{‏فِي كِتَابِ اللَّهِ‏}‏ أي في حكمه القدري، ‏{‏يَوْمَ خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ‏}‏ وأجرى ليلها ونهارها، وقدر أوقاتها فقسمها على هذه الشهور الاثني عشر ‏[‏شهرًا‏]‏‏.‏

{‏مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ‏}‏ وهي‏:‏ رجب الفرد، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وسميت حرما لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها‏.‏

{‏فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ‏}‏ يحتمل أن الضمير يعود إلى الاثنى عشر شهرا، وأن اللّه تعالى بين أنه جعلها مقادير للعباد، وأن تعمر بطاعته، ويشكر اللّه تعالى على مِنَّتِهِ بها، وتقييضها لمصالح العباد، فلتحذروا من ظلم أنفسكم فيها‏.‏

ويحتمل أن الضمير يعود إلى الأربعة الحرم، وأن هذا نهي لهم عن الظلم فيها، خصوصا مع النهي عن الظلم كل وقت، لزيادة تحريمها، وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها‏.‏

ومن ذلك النهي عن القتال فيها، على قول من قال‏:‏ إن القتال في الأشهر الحرام لم ينسخ تحريمه عملا بالنصوص العامة في تحريم القتال فيها‏.‏

ومنهم من قال‏:‏ إن تحريم القتال فيها منسوخ، أخذا بعموم نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً‏}‏ أي‏:‏ قاتلوا جميع أنواع المشركين والكافرين برب العالمين‏.‏

ولا تخصوا أحدًا منهم بالقتال دون أحد، بل اجعلوهم كلهم لكم أعداء كما كانوا هم معكم كذلك، قد اتخذوا أهل الإيمان أعداء لهم، لا يألونهم من الشر شيئًا‏.‏

ويحتمل أن ‏{‏كَافَّةً‏}‏ حال من الواو فيكون معنى هذا‏:‏ وقاتلوا جميعكم المشركين، فيكون فيها وجوب النفير على جميع المؤمنين‏.‏

وقد نسخت على هذا الاحتمال بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً‏}‏ الآية‏.‏ ‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}‏ بعونه ونصره وتأييده، فلتحرصوا على استعمال تقوى اللّه في سركم وعلنكم والقيام بطاعته، خصوصا عند قتال الكفار، فإنه في هذه الحال، ربما ترك المؤمن العمل بالتقوى في معاملة الكفار الأعداء المحاربين‏.‏

‏[‏37‏]‏ ‏{‏إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ‏}

النسيء‏:‏ هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من جملة بدعهم الباطلة، أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال، في بعض أوقات الأشهر الحرم، رأوا ـ بآرائهم الفاسدة ـ أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم، التي حرم اللّه القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم، أو يقدموه، ويجعلوا مكانه من أشهر الحل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حرامًا، فهذا ـ كما أخبر اللّه عنهم ـ أنه زيادة في كفرهم وضلالهم، لما فيه من المحاذير‏.‏

منها‏:‏ أنهم ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، وجعلوه بمنزلة شرع اللّه ودينه، واللّه ورسوله بريئان منه‏.‏

ومنها‏:‏ أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حراما، والحرام حلالا‏.‏

ومنها‏:‏ أنهم مَوَّهوا على اللّه بزعمهم وعلى عباده، ولبسوا عليهم دينهم، واستعملوا الخداع والحيلة في دين اللّه‏.‏

ومنها‏:‏ أن العوائد المخالفة للشرع مع الاستمرار عليها، يزول قبحها عن النفوس، وربما ظن أنها عوائد حسنة، فحصل من الغلط والضلال ما حصل، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ ليوافقوها في العدد، فيحلوا ما حرم اللّه‏.‏

{‏زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ زينت لهم الشياطين الأعمال السيئة، فرأوها حسنة، بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم‏.‏

{‏وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذين انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، فلو جاءتهم كل آية، لم يؤمنوا‏.‏

‏[‏38 ـ 39‏]‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}

اعلم أن كثيرا من هذه السورة الكريمة، نزلت في غزوة تبوك، إذ ندب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسلمين إلى غزو الروم، وكان الوقت حارًا، والزاد قليلا، والمعيشة عسرة، فحصل من بعض المسلمين من التثاقل ما أوجب أن يعاتبهم اللّه تعالى عليه ويستنهضهم، فقال تعالى‏:‏

{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ ألا تعملون بمقتضى الإيمان، وداعي اليقين من المبادرة لأمر اللّه، والمسارعة إلى رضاه، وجهاد أعدائه والنصرة لدينكم، فـ ‏{‏مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ تكاسلتم، وملتم إلى الأرض والدعة والسكون فيها‏.‏

{‏أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ ما حالكم إلا حال من رضي بالدنيا وسعى لها ولم يبال بالآخرة، فكأنه ما آمن بها‏.‏

{‏فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ التي مالت بكم، وقدمتموها على الآخرة ‏{‏إِلَّا قَلِيلٌ‏}‏ أفليس قد جعل اللّه لكم عقولا تَزِنُون بها الأمور، وأيها أحق بالإيثار‏؟‏‏.‏

أفليست الدنيا ـ من أولها إلى آخرها ـ لا نسبة لها في الآخرة‏.‏ فما مقدار عمر الإنسان القصير جدا من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار‏.‏

فبأي رَأْيٍ رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فواللّه ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عُدَّ من أولي الألباب، ثم توعدهم على عدم النفير فقال‏:‏

{‏إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏ في الدنيا والآخرة، فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب، لما فيها من المضار الشديدة، فإن المتخلف، قد عصى اللّه تعالى وارتكب لنهيه، ولم يساعد على نصر دين اللّه، ولا ذب عن كتاب اللّه وشرعه، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم الذي يريد أن يستأصلهم ويمحق دينهم، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان، بل ربما فَتَّ في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء اللّه، فحقيق بمن هذا حاله أن يتوعده اللّه بالوعيد الشديد، فقال‏:‏ ‏{‏إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ‏}‏ ثم لا يكونوا أمثالكم ‏{‏وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا‏}‏ فإنه تعالى متكفل بنصر دينه وإعلاء كلمته، فسواء امتثلتم لأمر اللّه، أو ألقيتموه، وراءكم ظهريا‏.‏

{‏وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ لا يعجزه شيء أراده، ولا يغالبه أحد‏.‏

‏[‏40‏]‏ ‏{‏إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}

أي‏:‏ إلا تنصروا رسوله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاللّه غني عنكم، لا تضرونه شيئا، فقد نصره في أقل ما يكون وأذلة ‏{‏إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ من مكة لما هموا بقتله، وسعوا في ذلك، وحرصوا أشد الحرص، فألجؤوه إلى أن يخرج‏.‏

‏{‏ثَانِيَ اثْنَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ هو وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه‏.‏ ‏{‏إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ‏}‏ أي‏:‏ لما هربا من مكة، لجآ إلى غار ثور في أسفل مكة، فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب‏.‏

فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل اللّه عليهما من نصره ما لا يخطر على البال‏.‏

‏{‏إِذْ يَقُولُ‏}‏ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏لِصَاحِبِهِ‏}‏ أبي بكر لما حزن واشتد قلقه، ‏{‏لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا‏}‏ بعونه ونصره وتأييده‏.‏

{‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ الثبات والطمأنينة، والسكون المثبتة للفؤاد، ولهذا لما قلق صاحبه سكنه وقال ‏{‏لا تحزن إن اللّه معنا‏}

{‏وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا‏}‏ وهي الملائكة الكرام، الذين جعلهم اللّه حرسا له، ‏{‏وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى‏}‏ أي‏:‏ الساقطة المخذولة، فإن الذين كفروا قد كانوا على حرد قادرين، في ظنهم على قتل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأخذه، حنقين عليه، فعملوا غاية مجهودهم في ذلك، فخذلهم اللّه ولم يتم لهم مقصودهم، بل ولا أدركوا شيئا منه‏.‏

ونصر اللّه رسوله بدفعه عنه، وهذا هو النصر المذكور في هذا الموضع، فإن النصر على قسمين‏:‏ نصر المسلمين إذا طمعوا في عدوهم بأن يتم اللّه لهم ما طلبوا، وقصدوا، ويستولوا على عدوهم ويظهروا عليهم‏.‏

والثاني نصر المستضعف الذي طمع فيه عدوه القادر، فنصر اللّه إياه، أن يرد عنه عدوه، ويدافع عنه، ولعل هذا النصر أنفع النصرين، ونصر اللّه رسوله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين من هذا النوع‏.‏

وقوله ‏{‏وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا‏}‏ أي كلماته القدرية وكلماته الدينية، هي العالية على كلمة غيره، التي من جملتها قوله‏:‏ ‏{‏وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏{‏إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ‏}‏ ‏{‏وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ‏}‏ فدين اللّه هو الظاهر العالي على سائر الأديان، بالحجج الواضحة، والآيات الباهرة والسلطان الناصر‏.‏

‏{‏وَاللَّهُ عَزِيزٌ‏}‏ لا يغالبه مغالب، ولا يفوته هارب، ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ يضع الأشياء مواضعها، وقد يؤخر نصر حزبه إلى وقت آخر، اقتضته الحكمة الإلهية‏.‏

وفي هذه الآية الكريمة فضيلة أبي بكر الصديق بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كافرًا، لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها‏.‏

وفيها فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة اللّه على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش بها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته‏.‏

وفيها‏:‏ أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، مع أن الأولى ـ إذا نزل بالعبد ـ أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب، موهن للعزيمة‏.‏

‏[‏41 ـ 42‏]‏ ‏{‏انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}

يقول تعالى لعباده المؤمنين ـ مهيجا لهم على النفير في سبيله فقال‏:‏ ‏{‏انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا‏}‏ أي‏:‏ في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والحر والبرد، وفي جميع الأحوال‏.‏

{‏وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ ابذلوا جهدكم في ذلك، واستفرغوا وسعكم في المال والنفس، وفي هذا دليل على أنه ـ كما يجب الجهاد في النفس ـ يجب الجهاد في المال، حيث اقتضت الحاجة ودعت لذلك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ الجهاد في النفس والمال، خير لكم من التقاعد عن ذلك، لأن فيه رضا اللّه تعالى، والفوز بالدرجات العاليات عنده، والنصر لدين اللّه، والدخول في جملة جنده وحزبه‏.‏

لو كان خروجهم لطلب العرض القريب، أي‏:‏ منفعة دنيوية سهلة التناول ‏{‏و‏}‏ كان السفر ‏{‏سَفَرًا قَاصِدًا‏}‏ أي‏:‏ قريبا سهلا‏.‏ ‏{‏لَاتَّبَعُوكَ‏}‏ لعدم المشقة الكثيرة، ‏{‏وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ‏}‏ أي‏:‏ طالت عليهم المسافة، وصعب عليهم السفر، فلذلك تثاقلوا عنك، وليس هذا من أمارات العبودية، بل العبد حقيقة هو المتعبد لربه في كل حال، القائم بالعبادة السهلة والشاقة، فهذا العبد للّه على كل حال‏.‏

{‏وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ سيحلفون أن تخلفهم عن الخروج أن لهم أعذرا وأنهم لا يستطيعون ذلك‏.‏

‏{‏يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ‏}‏ بالقعود والكذب والإخبار بغير الواقع، ‏{‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏‏.‏

وهذا العتاب إنما هو للمنافقين، الذين تخلفوا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ‏{‏غزوة تبوك‏}‏ وأبدوا من الأعذار الكاذبة ما أبدوا، فعفا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنهم بمجرد اعتذارهم، من غير أن يمتحنهم، فيتبين له الصادق من الكاذب، ولهذا عاتبه اللّه على هذه المسارعة إلى عذرهم فقال‏:‏

‏[‏43 ـ 45‏]‏ ‏{‏عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ‏}

يقول تعالى لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏عَفَا اللَّهُ عَنْكَ‏}‏ أي‏:‏ سامحك وغفر لك ما أجريت‏.‏

{‏لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏}‏ في التخلف ‏{‏حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ بأن تمتحنهم، ليتبين لك الصادق من الكاذب، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق ذلك‏.‏

ثم أخبر أن المؤمنين باللّه واليوم الآخر، لا يستأذنون في ترك الجهاد بأموالهم وأنفسهم، لأن ما معهم من الرغبة في الخير والإيمان، يحملهم على الجهاد من غير أن يحثهم عليه حاث،

فضلا عن كونهم يستأذنون في تركه من غير عذر‏.‏

{‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ‏}‏ فيجازيهم على ما قاموا به من تقواه، ومن علمه بالمتقين، أنه أخبر، أن من علاماتهم، أنهم لا يستأذنون في ترك الجهاد‏.‏

{‏إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ ليس لهم إيمان تام، ولا يقين صادق، فلذلك قلَّتْ رغبتهم في الخير، وجبنوا عن القتال، واحتاجوا أن يستأذنوا في ترك القتال‏.‏ ‏{‏فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا يزالون في الشك والحيرة‏.‏

‏[‏46 ـ 48‏]‏ ‏{‏وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ‏}‏‏.‏

يقول تعالى مبينا أن المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأن أعذارهم التي اعتذروها باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر‏.‏

‏{‏و‏}‏ أما هؤلاء المنافقون فـ ‏{‏لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً‏}‏ أي‏:‏ لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لما لم يعدوا له عدة، علم أنهم ما أرادوا الخروج‏.‏

{‏وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ‏}‏ معكم في الخروج للغزو ‏{‏فَثَبَّطَهُمْ‏}‏ قدرا وقضاء، وإن كان قد أمرهم وحثهم على الخروج، وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم، بل خذلهم وثبطهم ‏{‏وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ‏}‏ من النساء والمعذورين‏.‏

ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال ‏{‏لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا‏}‏ أي‏:‏ نقصا‏.‏

‏{‏وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ ولسعوا في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين، ‏{‏يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ‏}‏ أي‏:‏ هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم‏.‏

‏{‏وَفِيكُمْ‏}‏ أناس ضعفاء العقول ‏{‏سَمَّاعُونَ لَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم‏.‏ فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فللّه أتم الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم‏.‏

{‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ‏}‏ فيعلم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من المفاسد الناشئة من مخالطتهم‏.‏

ثم ذكر أنه قد سبق لهم سوابق في الشر فقال‏:‏ ‏{‏لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ حين هاجرتم إلى المدينة، بذلوا الجهد، ‏{‏وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ‏}‏ أي‏:‏ أداروا الأفكار، وأعملوا الحيل في إبطال دعوتكم وخذلان دينكم، ولم يقصروا في ذلك، ‏{‏حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ‏}‏ فبطل كيدهم واضمحل باطلهم، فحقيق بمثل هؤلاء أن يحذر اللّه عباده المؤمنين منهم، وأن لا يبالي المؤمنين، بتخلفهم عنهم‏.‏

‏[‏49‏]‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ‏}

أي‏:‏ ومن هؤلاء المنافقين من يستأذن في التخلف، ويعتذر بعذر آخر عجيب، فيقول‏:‏ ‏{‏ائْذَنْ لِي‏}‏ في التخلف ‏{‏وَلَا تَفْتِنِّي‏}‏ في الخروج، فإني إذا خرجت، فرأيت نساء بين الأصفر لا أصبر عنهن، كما قال ذلك ‏{‏الجد بن قيس‏}‏

ومقصوده ـ قبحه اللّه ـ الرياء والنفاق بأن مقصودي مقصود حسن، فإن في خروجي فتنة وتعرضا للشر، وفي عدم خروجي عافية وكفا عن الشر‏.‏

قال اللّه تعالى مبينا كذب هذا القول‏:‏ ‏{‏أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا‏}‏ فإنه على تقدير صدق هذا القائل في قصده، ‏[‏فإن‏]‏ في التخلف مفسدة كبرى وفتنة عظمى محققة، وهي معصية اللّه ومعصية رسوله، والتجرؤ على الإثم الكبير، والوزر العظيم، وأما الخروج فمفسدة قليلة بالنسبة للتخلف، وهي متوهمة، مع أن هذا القائل قصده التخلف لا غير، ولهذا توعدهم اللّه بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ‏}‏ ليس لهم عنها مفر ولا مناص، ولا فكاك، ولا خلاص‏.‏

‏[‏50 ـ 51‏]‏ ‏{‏إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ * قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏}

يقول تعالى مبينا أن المنافقين هم الأعداء حقا، المبغضون للدين صرفًا‏:‏ ‏{‏إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ‏}‏ كنصر وإدالة على العدو ‏{‏تَسُؤْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ تحزنهم وتغمهم‏.‏

{‏وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ‏}‏ كإدالة العدو عليك ‏{‏يَقُولُوا‏}‏ متبجحين بسلامتهم من الحضور معك‏.‏

{‏قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ قد حذرنا وعملنا بما ينجينا من الوقوع في مثل هذه المصيبة‏.‏

{‏وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ‏}‏ فيفرحون بمصيبتك، وبعدم مشاركتهم إياك فيها‏.‏ قال تعالى رادا عليهم في ذلك ‏{‏قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا‏}‏ أي‏:‏ ما قدره وأجراه في اللوح المحفوظ‏.‏

‏{‏هُوَ مَوْلَانَا‏}‏ أي‏:‏ متولي أمورنا الدينية والدنيوية، فعلينا الرضا بأقداره وليس في أيدينا من الأمر شيء‏.‏

‏{‏وَعَلَى اللَّهِ‏}‏ وحده ‏{‏فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم ودفع المضار عنهم، ويثقوا به في تحصيل مطلوبهم، فلا خاب من توكل عليه، وأما من توكل على غيره، فإنه مخذول غير مدرك لما أمل‏.‏

‏[‏52‏]‏ ‏{‏قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ‏}

أي‏:‏ قل للمنافقين الذين يتربصون بكم الدوائر‏:‏ أي شيء تربصون بنا‏؟‏ فإنكم لا تربصون بنا إلا أمرا فيه غاية نفعنا، وهو إحدى الحسنيين، إما الظفر بالأعداء والنصر عليهم ونيل الثواب الأخروي والدنيوي‏.‏ وإما الشهادة التي هي من أعلى درجات الخلق، وأرفع المنازل عند اللّه‏.‏

وأما تربصنا بكم ـ يا معشر المنافقين ـ فنحن نتربص بكم، أن يصيبكم اللّه بعذاب من عنده، لا سبب لنا فيه، أو بأيدينا، بأن يسلطنا عليكم فنقتلكم‏.‏ ‏{‏فَتَرَبَّصُوا‏}‏ بنا الخير ‏{‏إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ‏}‏ بكم الشر‏.‏

‏[‏53 ـ 54‏]‏ ‏{‏قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ‏}

يقول تعالى مبينا بطلان نفقات المنافقين، وذاكرا السبب في ذلك ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏أَنْفِقُوا طَوْعًا‏}‏ من أنفسكم ‏{‏أَوْ كَرْهًا‏}‏ على ذلك، بغير اختياركم‏.‏ ‏{‏لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ‏}‏ شيء من أعمالكم ‏{‏إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏ خارجين عن طاعة اللّه، ثم بين صفة فسقهم وأعمالهم، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ‏}‏ والأعمال كلها شرط قبولها الإيمان، فهؤلاء لا إيمان لهم ولا عمل صالح، حتى إن الصلاة التي هي أفضل أعمال البدن، إذا قاموا إليها قاموا كسالى، قال‏:‏ ‏{‏وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى‏}‏ أي‏:‏ متثاقلون، لا يكادون يفعلونها من ثقلها عليهم‏.‏

{‏وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ‏}‏ من غير انشراح صدر وثبات نفس، ففي هذا غاية الذم لمن فعل مثل فعلهم، وأنه ينبغي للعبد أن لا يأتي الصلاة إلا وهو نشيط البدن والقلب إليها، ولا ينفق إلا وهو منشرح الصدر ثابت القلب، يرجو ذخرها وثوابها من اللّه وحده، ولا يتشبه بالمنافقين‏.‏

‏[‏55 ـ 57‏]‏ ‏{‏فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ‏}

يقول تعالى‏:‏ فلا تعجبك أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم، فإنه لا غبطة فيها، وأول بركاتها عليهم أن قدموها على مراضى ربهم، وعصوا اللّه لأجلها ‏{‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ والمراد بالعذاب هنا، ما ينالهم من المشقة في تحصيلها، والسعي الشديد في ذلك، وهم القلب فيها، وتعب البدن‏.‏

فلو قابلت لذاتهم فيها بمشقاتهم، لم يكن لها نسبة إليها، فهي ـ لما ألهتهم عن اللّه وذكره ـ صارت وبالا عليهم حتى في الدنيا‏.‏

ومن وبالها العظيم الخطر، أن قلوبهم تتعلق بها، وإرادتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبهم وغاية مرغوبهم ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا ‏{‏وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ‏}‏ فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشقاء الدائم والحسرة الملازمة‏.‏

{‏وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ‏}‏ قصدهم في حلفهم هذا أنهم ‏{‏قَوْمٌ يَفْرَقُونَ‏}‏ أي‏:‏ يخافون الدوائر، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبينوا أحوالهم‏.‏ فيخافون إن أظهروا حالهم منكم، ويخافون أن تتبرأوا منهم، فيتخطفهم الأعداء من كل جانب‏.‏

وأما حال قوي القلب ثابت الجنان، فإنه يحمله ذلك على بيان حاله، حسنة كانت أو سيئة، ولكن المنافقين خلع عليهم خلعة الجبن، وحلوا بحلية الكذب‏.‏

ثم ذكر شدة جبنهم فقال‏:‏ ‏{‏لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً‏}‏ يلجأون إليه عندما تنزل بهم الشدائد، ‏{‏أَوْ مَغَارَاتٍ‏}‏ يدخلونها فيستقرون فيها ‏{‏أَوْ مُدَّخَلًا‏}‏ أي‏:‏ محلا يدخلونه فيتحصنون فيه ‏{‏لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ‏}‏ أي‏:‏ يسرعون ويهرعون، فليس لهم ملكة، يقتدرون بها على الثبات‏.‏

‏[‏58 ـ 59‏]‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ‏}

أي‏:‏ ومن هؤلاء المنافقين من يعيبك في قسمة الصدقات، وينتقد عليك فيها، وليس انتقادهم فيها وعيبهم لقصد صحيح، ولا لرأي رجيح، وإنما مقصودهم أن يعطوا منها‏.‏ ‏{‏فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ‏}‏ وهذه حالة لا تنبغي للعبد أن يكون رضاه وغضبه، تابعا لهوى نفسه الدنيوي وغرضه الفاسد، بل الذي ينبغي أن يكون هواه تبعا لمرضاة ربه، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به‏)‏ وقال هنا‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ‏}‏ أي‏:‏ أعطاهم من قليل وكثير‏.‏ ‏{‏وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ كافينا اللّه، فنرضى بما قسمه لنا، وليؤملوا فضله وإحسانه إليهم بأن يقولوا‏:‏ ‏{‏سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ‏}‏ أي‏:‏ متضرعون في جلب منافعنا، ودفع مضارنا، لسلموا من النفاق ولهدوا إلى الإيمان والأحوال العالية، ثم بين تعالى كيفية قسمة الصدقات الواجبة فقال‏:‏

‏[‏60‏]‏ ‏{‏إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ‏}‏ أي‏:‏ الزكوات الواجبة، بدليل أن الصدقة المستحبة لكل أحد، لا يخص بها أحد دون أحد‏.‏

أي‏:‏ إنما الصدقات لهؤلاء المذكورين دون من عداهم، لأنه حصرها فيهم، وهم ثمانية أصناف‏.‏

الأول والثاني‏:‏ الفقراء والمساكين، وهم في هذا الموضع، صنفان متفاوتان، فالفقير أشد حاجة من المسكين، لأن اللّه بدأ بهم، ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم، ففسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئا، أو يجد بعض كفايته دون نصفها‏.‏

والمسكين‏:‏ الذي يجد نصفها فأكثر، ولا يجد تمام كفايته، لأنه لو وجدها لكان غنيا، فيعطون من الزكاة ما يزول به فقرهم ومسكنتهم‏.‏

والثالث‏:‏ العاملون على الزكاة، وهم كل من له عمل وشغل فيها، من حافظ لها، أو جاب لها من أهلها، أو راع، أو حامل لها، أو كاتب، أو نحو ذلك، فيعطون لأجل عمالتهم، وهي أجرة لأعمالهم فيها‏.‏

والرابع‏:‏ المؤلفة قلوبهم، والمؤلف قلبه‏:‏ هو السيد المطاع في قومه، ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو جبايتها ممن لا يعطيها، فيعطى ما يحصل به التأليف والمصلحة‏.‏

الخامس‏:‏ الرقاب، وهم المكاتبون الذين قد اشتروا أنفسهم من ساداتهم، فهم يسعون في تحصيل ما يفك رقابهم، فيعانون على ذلك من الزكاة، وفك الرقبة المسلمة التي في حبس الكفار داخل في هذا، بل أولى، ويدخل في هذا أنه يجوز أن يعتق منها الرقاب استقلالا، لدخوله في قوله‏:‏ ‏{‏وفي الرقاب‏}‏

السادس‏:‏ الغارمون، وهم قسمان‏:‏

أحدهما‏:‏ الغارمون لإصلاح ذات البين، وهو أن يكون بين طائفتين من الناس شر وفتنة، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم بمال يبذله لأحدهم أو لهم كلهم، فجعل له نصيب من الزكاة، ليكون أنشط له وأقوى لعزمه، فيعطى ولو كان غنيا‏.‏

والثاني‏:‏ من غرم لنفسه ثم أعسر، فإنه يعطى ما يُوَفِّى به دينه‏.‏

والسابع‏:‏ الغازي في سبيل اللّه، وهم‏:‏ الغزاة المتطوعة، الذين لا ديوان لهم، فيعطون من الزكاة ما يعينهم على غزوهم، من ثمن سلاح، أو دابة، أو نفقة له ولعياله، ليتوفر على الجهاد ويطمئن قلبه‏.‏

وقال كثير من الفقهاء‏:‏ إن تفرغ القادر على الكسب لطلب العلم، أعطي من الزكاة، لأن العلم داخل في الجهاد في سبيل اللّه‏.‏

وقالوا أيضًا‏:‏ يجوز أن يعطى منها الفقير لحج فرضه، ‏[‏وفيه نظر‏]‏ ‏.‏

والثامن‏:‏ ابن السبيل، وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده، فهؤلاء الأصناف الثمانية الذين تدفع إليهم الزكاة وحدهم‏.‏

{‏فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ‏}‏ فرضها وقدرها، تابعة لعلمه وحكمه ‏{‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}‏ واعلم أن هذه الأصناف الثمانية، ترجع إلى أمرين‏:‏

أحدهما‏:‏ من يعطى لحاجته ونفعه، كالفقير، والمسكين، ونحوهما‏.‏

والثاني‏:‏ من يعطى للحاجة إليه وانتفاع الإسلام به، فأوجب اللّه هذه الحصة في أموال الأغنياء، لسد الحاجات الخاصة والعامة للإسلام والمسلمين، فلو أعطى الأغنياء زكاة أموالهم على الوجه الشرعي، لم يبق فقير من المسلمين، ولحصل من الأموال ما يسد الثغور، ويجاهد به الكفار وتحصل به جميع المصالح الدينية‏.‏

‏[‏61 ـ 63‏]‏ ‏{‏وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ‏}

أي‏:‏ ومن هؤلاء المنافقين ‏{‏الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ‏}‏ بالأقوال الردية، والعيب له ولدينه، ‏{‏وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ‏}‏ أي‏:‏ لا يبالون بما يقولون من الأذية للنبي، ويقولون‏:‏ إذا بلغه عنا بعض ذلك، جئنا نعتذر إليه، فيقبل منا، لأنه أذن، أي‏:‏ يقبل كل ما يقال له، لا يميز بين صادق وكاذب، وقصدهم ـ قبحهم اللّه ـ فيما بينهم، أنهم غير مكترثين بذلك، ولا مهتمين به، لأنه إذا لم يبلغه فهذا مطلوبهم، وإن بلغه اكتفوا بمجرد الاعتذار الباطل‏.‏

فأساءوا كل الإساءة من أوجه كثيرة، أعظمها أذية نبيهم الذي جاء لهدايتهم، وإخراجهم من الشقاء والهلاك إلى الهدى والسعادة‏.‏

ومنها‏:‏ عدم اهتمامهم أيضًا بذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأذية‏.‏

ومنها‏:‏ قدحهم في عقل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعدم إدراكه وتفريقه بين الصادق والكاذب، وهو أكمل الخلق عقلا، وأتمهم إدراكا، وأثقبهم رأيا وبصيرة، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ يقبل من قال له خيرا وصدقا‏.‏

وأما إعراضه وعدم تعنيفه لكثير من المنافقين المعتذرين بالأعذار الكذب، فلسعة خلقه، وعدم اهتمامه بشأنهم ، وامتثاله لأمر اللّه في قوله‏:‏ ‏{‏سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ‏}

وأما حقيقة ما في قلبه ورأيه، فقال عنه‏:‏ ‏{‏يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ الصادقين المصدقين، ويعلم الصادق من الكاذب، وإن كان كثيرا ما يعرض عن الذين يعرف كذبهم وعدم صدقهم، ‏{‏وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ‏}‏ فإنهم به يهتدون، وبأخلاقه يقتدون‏.‏

وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة بل ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم، ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ‏}‏ بالقول أو الفعل ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ في الدنيا والآخرة، ومن العذاب الأليم أنه يتحتم قتل مؤذيه وشاتمه‏.‏

{‏يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ‏}‏ فيتبرأوا مما صدر منهم من الأذية وغيرها، فغايتهم أن ترضوا عليهم‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ‏}‏ لأن المؤمن لا يقدم شيئا على رضا ربه ورضا رسوله، فدل هذا على انتفاء إيمانهم حيث قدموا رضا غير اللّه ورسوله‏.‏

وهذا محادة للّه ومشاقة له، وقد توعد من حاده بقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏ أي ‏:‏ يكون في حد وشق مبعد عن اللّه ورسوله بأن تهاون بأوامر اللّه، وتجرأ على محارمه‏.‏

{‏فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ‏}‏ الذي لا خزي أشنع ولا أفظع منه، حيث فاتهم النعيم المقيم، وحصلوا على عذاب الجحيم عياذا باللّه من أحوالهم‏.‏

‏[‏64 ـ 66‏]‏ ‏{‏يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ‏}

كانت هذه السورة الكريمة تسمى ‏{‏الفاضحة‏}‏ لأنها بينت أسرار المنافقين، وهتكت أستارهم، فما زال اللّه يقول‏:‏ ومنهم ومنهم، ويذكر أوصافهم، إلا أنه لم يعين أشخاصهم لفائدتين‏:‏ إحداهما‏:‏ أن اللّه سِتِّيرٌ يحب الستر على عباده‏.‏

والثانية‏:‏ أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين، الذين توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلي يوم القيامة، فكان ذكر الوصف أعم وأنسب، حتى خافوا غاية الخوف‏.‏

قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا‏}

وقال هنا ‏{‏يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ تخبرهم وتفضحهم، وتبين أسرارهم، حتى تكون علانية لعباده، ويكونوا عبرة للمعتبرين‏.‏

‏{‏قُلِ اسْتَهْزِئُوا‏}‏ أي‏:‏ استمروا على ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ‏}‏ وقد وفَّى تعالى بوعده، فأنزل هذه السورة التي بينتهم وفضحتهم، وهتكت أستارهم‏.‏

‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ‏}‏ عما قالوه من الطعن في المسلمين وفي دينهم، يقول طائفة منهم في غزوة تبوك ‏{‏ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ـ يعنون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ـ أرغب بطونا، ‏[‏وأكذب ألسنا‏]‏ وأجبن عند اللقاء‏}‏ ونحو ذلك‏.‏

ولما بلغهم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، قد علم بكلامهم، جاءوا يعتذرون إليه ويقولون‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ‏}‏ أي‏:‏ نتكلم بكلام لا قصد لنا به، ولا قصدنا الطعن والعيب‏.‏

قال اللّه تعالى ـ مبينا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك ـ ‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ‏}‏ فإن الاستهزاء باللّه وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم اللّه، وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة‏.‏

ولهذا لما جاءوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة، والرسول لا يزيدهم على قوله ‏{‏أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ‏}‏ وقوله ‏{‏إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ‏}‏ لتوبتهم واستغفارهم وندمهم، ‏{‏نُعَذِّبْ طَائِفَةً‏}‏ منكم ‏{‏بِأَنَّهُمْ‏}‏ بسبب أنهم ‏{‏كَانُوا مُجْرِمِينَ‏}‏ مقيمين على كفرهم ونفاقهم‏.‏

وفي هذه الآيات دليل على أن من أسر سريرة، خصوصا السريرة التي يمكر فيها بدينه، ويستهزئ به وبآياته ورسوله، فإن اللّه تعالى يظهرها ويفضح صاحبها، ويعاقبه أشد العقوبة‏.‏

وأن من استهزأ بشيء من كتاب اللّه أو سنة رسوله الثابتة عنه، أو سخر بذلك، أو تنقصه، أو استهزأ بالرسول أو تنقصه، فإنه كافر باللّه العظيم، وأن التوبة مقبولة من كل ذنب، وإن كان عظيمًا‏.‏

‏[‏67 ـ 68‏]‏ ‏{‏الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ‏}‏ لأنهم اشتركوا في النفاق، فاشتركوا في تولي بعضهم بعضا، وفي هذا قطع للمؤمنين من ولايتهم‏.‏

ثم ذكر وصف المنافقين العام، الذي لا يخرج منه صغير منهم ولا كبير، فقال‏:‏ ‏{‏يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ‏}‏ وهو الكفر والفسوق والعصيان‏.‏

{‏وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ‏}‏ وهو الإيمان، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة، والآداب الحسنة‏.‏ ‏{‏وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ‏}‏ عن الصدقة وطرق الإحسان، فوصفهم البخل‏.‏

‏{‏نَسُوا اللَّهَ‏}‏ فلا يذكرونه إلا قليلا، ‏{‏فَنَسِيَهُمْ‏}‏ من رحمته، فلا يوفقهم لخير، ولا يدخلهم الجنة، بل يتركهم في الدرك الأسفل من النار، خالدين فيها مخلدين‏.‏

{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ‏}‏ حصر الفسق فيهم، لأن فسقهم أعظم من فسق غيرهم، بدليل أن عذابهم أشد من عذاب غيرهم، وأن المؤمنين قد ابتلوا بهم، إذ كانوا بين أظهرهم، والاحتراز منهم شديد‏.‏

{‏وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ‏}‏ جمع المنافقين والكفار في النار، واللعنة والخلود في ذلك، لاجتماعهم في الدنيا على الكفر، والمعاداة للّه ورسوله، والكفر بآياته‏.‏

‏[‏69 ـ 70‏]‏ ‏{‏كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}

يقول تعالى محذرا المنافقين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم المكذبة‏.‏ ‏{‏قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ‏}‏ أي‏:‏ قرى قوم لوط‏.‏

فكلهم ‏{‏أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ‏}‏ أي‏:‏ بالحق الواضح الجلي، المبين لحقائق الأشياء، فكذبوا بها، فجرى عليهم ما قص اللّه علينا، فأنتم أعمالكم شبيهة بأعمالهم، استمتعتم بخلاقكم، أي‏:‏ بنصيبكم من الدنيا فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة معرضين عن المراد منه، واستعنتم به على معاصي اللّه، ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم كما فعل الذين من قبلكم وخضتم كالذي خاضوا، أي‏:‏ وخضتم بالباطل والزور وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحق، فهذه أعمالهم وعلومهم، استمتاع بالخلاق وخوض بالباطل، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ما استحق من قبلهم ممن فعلوا كفعلهم، وأما المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما خولوا من الدنيا، فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة اللّه، وأما علومهم فهي علوم الرسل، وهي الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية، والمجادلة بالحق لإدحاض الباطل‏.‏

قوله ‏{‏فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ‏}‏ إذ أوقع بهم من عقوبته ما أوقع‏.‏ ‏{‏وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏ حيث تجرأوا على معاصيه، وعصوا رسلهم، واتبعوا أمر كل جبار عنيد‏.‏

‏[‏71 ـ 72‏]‏ ‏{‏وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}

لما ذكر أن المنافقين بعضهم أولياء بعض ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ووصفهم بضد ما وصف به المنافقين، فقال‏:‏ ‏{‏وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ‏}‏ أي‏:‏ ذكورهم وإناثهم ‏{‏بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ‏}‏ في المحبة والموالاة، والانتماء والنصرة‏.‏

‏{‏يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ وهو‏:‏ اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم، ‏{‏وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ‏}‏ وهو كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة‏.‏

{‏وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏ أي‏:‏ لا يزالون ملازمين لطاعة اللّه ورسوله على الدوام‏.‏

{‏أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ يدخلهم في رحمته، ويشملهم بإحسانه‏.‏

{‏إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ قوي قاهر، ومع قوته فهو حكيم، يضع كل شيء موضعه اللائق به الذي يحمد على ما خلقه وأمر به‏.‏

ثم ذكر ما أعد اللّه لهم من الثواب فقال‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ‏}‏ جامعة لكل نعيم وفرح، خالية من كل أذى وترح، تجري من تحت قصورها ودورها وأشجارها الأنهار الغزيرة، المروية للبساتين الأنيقة، التي لا يعلم ما فيها من الخيرات والبركات إلا اللّه تعالى‏.‏

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا‏}‏ لا يبغون عنها حِوَلًا ‏{‏وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ‏}‏ قد زخرفت وحسنت وأعدت لعباد اللّه المتقين، قد طاب مرآها، وطاب منزلها ومقيلها، وجمعت من آلات المساكن العالية ما لا يتمنى فوقه المتمنون، حتى إن اللّه تعالى قد أعد لهم غرفا في غاية الصفاء والحسن، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها‏.‏

فهذه المساكن الأنيقة، التي حقيق بأن تسكن إليها النفوس، وتنزع إليها القلوب، وتشتاق لها الأرواح، لأنها في جنات عدن، أي‏:‏ إقامة لا يظعنون عنها، ولا يتحولون منها‏.‏

{‏وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ‏}‏ يحله على أهل الجنة ‏{‏أَكْبَرُ‏}‏ مما هم فيه من النعيم، فإن نعيمهم لم يطب إلا برؤية ربهم ورضوانه عليهم، ولأنه الغاية التي أمَّها العابدون، والنهاية التي سعى نحوها المحبون، فرضا رب الأرض والسماوات، أكبر من نعيم الجنات‏.‏

{‏ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏ حيث حصلوا على كل مطلوب، وانتفى عنهم كل محذور، وحسنت وطابت منهم جميع الأمور، فنسأل اللّه أن يجعلنا معهم بجوده‏.‏